تعقيب على مشكلة المطارنة الستة
التاريخ: الثلاثاء 30 مايو 2017
الموضوع: القلم الحر


الدكتور أسعد صوما .. ستوكهولم

ان فرحة الناس بمنشور "المسامحة" الذي أصدره قداسة البطريرك أفرام الثاني كانت ناقصة، لأن المسامحة لم تشمل كل المطارنة الستة وبقية الكهنة، بل شملت أربعة مطارنة فقط دون أي توضيح او ذكر للبقية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لم يشمل منشور البطريرك العفو عن المطرانين الموقوفين وبقية الكهنة/الرهبان الموقوفين/المطرودين ايضاً؟ هل هناك أمور تجري خلف الكواليس أم ان البطريركية تخاف من الموقوفين والمطرودين إذا أعيدوا للخدمة؟ أم ان الحاشية البطريركية مرتاحة البال طالما انهم تحت عقوبة التوقيف والطرد لأنها مرتابة بهم ولا تأمن جانبهم؟

كان البطريرك قد عاقب المطرانين متى روهم وحزائيل صومي بنزع ابرشيتيهما منهما، ثم انزل بحقهما عقوبة جديدة وهي عقوبة التوقيف عن الخدمة. والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه هو: ألم تكن عملية نزع ابرشية كل من المطرانين "عقوبة" كافية لتضاف عليها عقوبة جديدة بحقهما وهي عقوبة التوقيف عن الخدمة؟ ألم يكن أفضل محاولة الاستفادة من خبرتهما ومعرفتهما في مجالات كنسية أخرى بدل توقيفهما؟



ان عقوبة التوقيف الكنسي بحد ذاتها اجراء كنسي فاشل جداً لا طائل منه، يشبه الإجراءات التعسفية التي تُمارس في الدول المتخلفة وحكوماتها الدكتاتورية، حيث ترمي هذه الدول من لا ترغب به في السجن دون محاكمة عادلة ولا تعطيه الفرصة للدفاع عن نفسه ليواجه التهم الموجهة اليه. فهل وقف المطرانان أمام محكمة عادلة ليجابها التهم الموجهة اليهما؟ وهل كان الحكم الصادر بحقهما عادلاً يعادل حجم الجريمة التي ارتكباها؟ وهل عُقدت محكمة كنسية قانونية مختصة للنظر في قضية المطرانين المذكورين وثم وجدتهما مذنبين فأنزلت بحقهما عقوبة التوقيف الكنسي؟ إذا تم الموضوع بهذه الصيغة فهذا جيد، لكن كيف تمت مجرياته ومن كان أعضاء هذه المحكمة؟ من كان القاضي ومن كان المدعي ومن كان محامي الدفاع؟ ماذا كانت التهم الموجهة؟ كيف توصلت المحكمة الى نتيجة بأنها وجدت المطرانين مذنبين ويستحقان عقوبة التوقيف "المفتوح" أي غير محدود الزمن؟ وكيف دافع المطرانان عن أنفسهما في المحكمة؟ الخ.

هذه الأسئلة الهامة لا بد منها كي نعلم من خلال الأجوبة فيما إذا كانت الكنيسة مؤسسة عادلة وديمقراطية وتعترف بحقوق الانسان وتحترمها قولاً وفعلاً، وتحترم كهنتها اثناء ممارستهم المخالفات وتتعامل معهم بشفافية؟ لذلك نقول هل كانت معاقبة المطرانين بالتوقيف عن الخدمة عقوبة عادلة؟ وهل كانت عقوبتهما بالتوقيف المفتوح (أي دون تحديد زمن معين للتوقيف) عملاً قانونياً مبنياً على حقوق الانسان؟
ففي المجتمعات المتحضرة حتى الانسان المجرم له حقوقه المحفوظة بالقانون، وفي محاكمته يجب الاعتماد الكلي على القانون، ومن حق المجرم أن يكون له من يدافع عنه (محامي) وعن حقوقه.
ان عقوبة التوقيف يجب ان لا تكون مفتوحة بدون حدود، بل يجب ان يكون لها سقف يناسب حجم الخطأ المرتكب (توقيف لشهر أو لستة أشهر أو لسنة أو أكثر)، وان لا تبقى على ذوق البطريركية ومزاجها الشخصي، وان لا تحركها الرغبة في تصفية الحسابات وتكسير الرؤوس.

للأسف ان الكنيسة، كما يعلم الجميع، مؤسسة غارقة في التخلف، لأن كل مفاهيمها التنظيمية والقانونية والاجتماعية هي من منتجات القرون الوسطى ومخلفاتها المتخلفة، أي انها ليست قائمة على العدالة والمساواة، ولا على الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان، بل هي قائمة على الفردية والمزاج الشخصي والتوتاليتارية. وليس للمرأة مكانة فيها ابداً غير الطبخ والنفخ والخدمة في الاحتفالات. وحتى الراهبة لا مكانة لها في الكنيسة لكونها امرأة، فلغاية اليوم لا يحق للمرأة الصعود الى الهيكل وهذا جريمة لا تغتفر بحقها وبحق المدنية والمساواة.
ومن المظاهر التوتاليتارية التعسفية الجارية في الكنيسة مثلا إذا اختلف البطريرك أو المطران مع واحد من كهنته فسيعمد ربما الى توقيفه دون محاكمة عادلة (او ربما دون محاكمة)، خاصة اذا كان الكاهن المُعاقَب لا يملك عائلة كبيرة او لا ينتمي الى عشيرة قوية، كما يبدو الوضع في حالة المطرانين الموقوفين. ومن الأمثلة العديدة الأخرى عن انتهاك حقوق المؤمنين، ففي ابرشية السويد مثلا ترفع أسماء الأشخاص المرشحين للمجلس الملي الى المطران ليوافق على المرشحين قبل الانتخابات، فان وجد المطران في جدول المرشحين شخصا ما لا يحبه او لا يرغب به فيشطب اسمه من الترشيح. أي ان دور المطران هنا يشبه دور المرشد الاعلى للثورة الاسلامية في ايران علي خامنئي، رغم ان السويد هي من اكثر الدول ديمقراطية في العالم، تصور لو سمعت حكومة السويد بهذا العمل الاجرامي ضد الديمقراطية فماذا ستتصرف؟

حان الوقت إذاً للقيام بحملة تنظيف عامة للكنيسة ونبذ كل هذه الترهات المخجلة التي يمارسها الاكليروس فيساهم في موت الكنيسة. وحان الوقت لإلغاء عقوبة التوقيف عن الخدمة التي لا تليق أبداً لا بالمسيحية وتعاليمها السامية ولا بالكنسية ومفاهيمها القائمة على المحبة والتسامح. فعندما يرتكب الكهنة أخطاء كبيرة أو صغيرة فعلى البطريركية اصلاح الكهنة المخطئين وليس معاقبتهم ودفعهم لارتكاب أخطاء أكثر وأكبر. والإصلاح يكون بتقريب الكهنة المذنبين الى الله، واعادتهم الى تعاليم الانجيل والمحبة والروحانية والانسانية.
لذلك فالكنيسة اليوم واقفة امام مفترق طرق فإما أن تكون أو لا تكون. وإما ان تركب قطار الحضارة والمدنية والمساواة وتعصرن نفسها بسرعة قبل ان ينفرط عقدها الضعيف لتستطيع الاستمرار في الحياة لعقود عديدة قادمة من الزمن، وإما ان تختار ان تبقى على حالتها التعيسة فهي في طريق الزوال التدريجي (خاصة في السويد وأوروبا). لانها تشبه السفينة القديمة المليئة بالثقوب فإما محاولة اصلاحها وانقاذها واما تركها ان تغرق تدريجيا بسبب الثقوب الكثيرة التي تتسرب منها المياه. فاذا كان الاكليروس لا يدرك هذا الوضع السيء للقطار الكنسي والمستقبل الأسود الذي ينتظره في المحطة القادمة، فهذه مصيبة كبرى. وإذا كانت قيادة الكنيسة لا ترى الثقوب العديدة التي تسرِّب المياه الى قاع سفينة الكنيسة منذ عقود، ولا ترى ان قاع السفينة قد امتلأ فعلاً بالمياه وان غرقها هو مسألة وقت، فهذه مصيبة أكبر. لأنه بسبب طيبة قلوب السريان ومحبتهم للكنيسة وكرمهم الكبير استطاعت الكنيسة ان تعيش معهم في أوروبا كما كانت تعيش معهم في الشرق، لكن أفكار أبنائهم في أوروبا مختلفة تماماً عن أفكار ابائهم في كل الأمور خاصة في قضايا الدين والايمان، والكنيسة في وضعها ومشاكلها تساهم في ابعادهم عنها. فهؤلاء الابناء لن يحركوا ساكنا لإنقاذ الكنيسة إن شاهدوا مركب الكنيسة يغرق. وحتى ابناء الذين يعملون في المجالس الكنسية بعيدين عن الكنيسة، فكم بالحري أبناء السريان الآخرين... وسبب هذا الوضع السيء هو مطارنتنا في السويد وأوروبا لأنهم فشلوا في عصرنة الكنيسة بسبب قصر نظرهم. فهذا إذاً ناقوس خطر يلفت نظر الذين لديهم نظر.
للأسف ان غالبية الاكليروس بفكره الضعيف ونظرته القاصرة وتصرفه الخاطىء يدفع مركب الكنيسة للغرق، بل يقضي على الكنيسة دون ان يعلم بانه هو الذي يقضي عليها. وهنا تكمن المصيبة. وإذا عمل شيئاً صغيراً لا يستحق الذكر فيعتبره انجازاً عظيماً له. وهذا يذكِّرنا بقول الشاعر المتنبي:
على قَدْرِ أهلِ العزم تأتي العزائمُ وتأتي على قَدْر الكرامِ المَكارمُ
وتَعْظَم في عين الصغير صغارُها وتَصْغُرُ في عين العظيم العظائمُ

لكن ما هي الغاية من عقوبة التوقيف الكنسي؟ هل هي اجراء لمعاقبة الكاهن المجرم الذي ارتكب جريمة وخالف فيها القوانين؟
نعم، ان العقوبة هي ان يتحمل الشخص نتائج اعماله وتصرفاته التي اخترق بها القوانين وقام بإيذاء الاخرين أو المجتمع، لذلك تُنزع من المجرم حريته الشخصية لزمن يعادل حجم الجريمة التي ارتكبها. لكن عقوبة التوقيف الكنسي لا يجب ان تشبه عقوبات المجتمع المدني التي ينزلها بالمجرمين. ان العقوبة الكنسية يجب ان تهدف الى اصلاح شخص الكاهن المعاقَب وليس الى تحطيمه وتمريضه نفسياً والمشاركة في ابعاده عن الله أكثر. وإلا فالكنيسة ترتكب جريمة بحق نفسها أولا وبحق كاهنها ثانياً. ولهذا يجب ان تستبدل عقوبة التوقيف الكنسي بإرسال الكاهن المعاقب الى أحد الاديرة ليعيش هناك فترة معينة (ستة اشهر مثلا او سنة أو اكثر) يمضيها في درس الكتاب المقدس والصلاة المستمرة والصوم الدائم والتأمل الروحي ودراسة كتب اباء الكنيسة دون مغادرة الدير. وبعد انقضاء المدة يخرج الكاهن المعاقَب من الدير، بعد ان استنفذ مدته المحددة، وقد وُلِد من جديد وأصبح انساناً جديدا مليئا بمحبة الله والناس والايمان، وانكسرت شوكة عيوبه وأمراضه النفسية كالغرور وحب السلطة والمال والجشع والشراهة والحقد والذميمة وحب الانتقام وغيرها. وهكذا تكون الكنيسة قد ربحت هذا الكاهن المُعَاقَب بدلاً من ان تخسره.

وأخيرا نقول: ان الكنيسة ليست فقط قداسة البطريرك، وليست فقط المطارنة، وليست فقط القساوسة والرهبان، بل جميع هؤلاء هم جزء صغير من الكنيسة، لان المؤمنين هم الجزء الأكبر من الكنيسة. لذلك لا يحق للبطريرك التصرف منفردا دون اعتبار لبقية الاكليروس والمؤمنين. وكذلك لا يحق للمطارنة التصرف دون اعتبار لبقية الكهنة وجميع المؤمنين. لذلك كان تصرف المطارنة الستة بمحاولة عزل البطريرك جريمة بحق المؤمنين لعدم مشاركتهم بالقرار، وكانت ردة فعلل بقية المطارنة جريمة أخرى بحق المؤمنين لعدم مشاركتهم بمعالجة الموضوع وبالقرارات. وقد تصرف الطرفان وكأن كل واحد منهما هو صاحب هذه الكنيسة وهي ملكه الشخصي ويفعل بها ما يشاء، ويعامل المؤمنين على انهم مجرد قطيع من الغنم يحق للاكليروس حلبها وجز صوفها متى شاء وكيفما اراد. لذلك أجرم الطرفان بحق المؤمنين السريان حين تصرفوا وكأن الشعب المسكين غير موجود ولا يحق له ادلاء دلوه، بل عليه ان يخدم الاكليروس ويموله بسخاء لكن لا يحق له المشاركة في القرار.

لقد عوقب المطرانان متى روهم وحزائيل صومي مرتين: مرة بأخذ ابرشيتيهما منهما، والمرة الثانية بتوقيفهما عن ممارسة الكهنوت ووظيفة المطرنة، ألم يكن الاجراء الاول عقوبة كافية، فلماذا يتوقفا عن الخدمة؟ ولماذا لم يشمل منشور المسامحة المطرانين وبقية الاكليروس الموقوف والمطرود؟
لذلك نطالب بإعادة المطرانين متى روهم وحزائيل صومي وبقية الكهنة والرهبان الموقوفين/المطرودين الى الخدمة حالاً دون اية اعتبارات مهما كانت، وذلك كإجراء بسيط جدا جداً في طريق اصلاح هذه المؤسسة ولملمة بقايا اشلائها للبدء في معالجتها والبحث عن حلول تؤمن استمرارية الكنيسة في الغرب لعدة عقود عديدة قادمة. لأننا نرى ان غالبية الشبان السريان الذين ولدوا ونشأوا في السويد مثلاً وهم عشرات الآلاف ليسوا فقط بعيدين عن الكنيسة، بل ان الكنيسة لا تعني لهم شيئاً، وان رجل الدين (البطريرك والمطران والقس) لا يعني لهم شيئاً ابداً. فكيف سيكون مستقبل الكنيسة بعد عشرين أو خمسين سنة أي بعد رحيل الأجيال الحالية المهتمة بالكنيسة اليوم؟

حان الوقت للعمل على فتح حوار وإعادة الموقوفين والمطرودين، وهذه ليست فقط رغبة عابرة انما ضرورة ملحة لمصلحة الكنيسة للم شملها وإعادة اعمارها مجدداً على أسس متمدنة.







أتى هذا المقال من موقع السريان
http://www.suryoyehnan.com

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.suryoyehnan.com/modules.php?name=News&file=article&sid=1630