زائر كتب " الكهنوت أكرم من كل الخدمات الأخرى الدنيوية
لقد تغير كاهن اليوم الذي نعرفه عن كاهن الأمس الذي عرفه أجدادنا، بداية من المظهر، ومروراً بالحوار، الاهتمام بالرعية، طريقة مواجهة مشكلات الناس ومساندتهم، العلاقات الخاصة والعامة، ونهاية بالصلوات الطقسية وخاصة القداس الإلهي... اندمجت وتطورت مهام الكاهن في عالمنا اليوم وأصبحت تتعدى أسوار الكنيسة ورسالة الخلاص الذي يحملها إلى العالم من خلال الإنجيل.
كما تطور أيضاً مفهومنا عن سرّ الكهنوت، ولكن هذا التطور والذي وصل إلى حد كبير من التغيير ليس استناداً إلى الكتاب المقدس بل إلى الواقع الذي نعيشه. وأولاً دعونا ألا نخلط بين أمرين هامين، بين طريقة حياة الكاهن بأفكاره وأفعاله الخاصة وسرّ الكهنوت بحدّ ذاته. فليس بالضرورة أن تٌعبر أو تكشف حياة الكاهن الخاصة عن سرّ الكهنوت، فنهج حياة الكاهن هو ما تطور وتغير عن السابق. أما سرّ الكهنوت يبقى كما هو مقدسً محدداً ثابتاً للمختارين، وتعاليم الكنيسة واضحة في هذا الشأن. وهذا ما سنبدأ به تأملاتنا، لعلنا نتأمل قليلا في هذا السرّ العظيم، من خلال الكاهن الذي يحمل لنا كل يوم بين أيديه خبزنا الروحي يسوع المسيح، لنعلن معه مجداً لك أيها الكاهن الأعظم.
سرّ الكهنوت
أقيم سرّ الكهنوت في العهد القديم لإعلان كلمة الله ولإعادة الشركة مع الله من خلال الصلاة وتقدمة الذبائح. وبقي قاصراً على تحقيق الخلاص، وبحاجة لتقديم الذبائح دون انقطاع، حتى تجسد السيد المسيح ووهبنا جسده ودمه المقدسان وأصبح هو الذبيحة الحية دائما وأبدا. وأعطى المسيح الكاهن الأعظم الوكالة لتلاميذه ليحملوا رسالته الخلاصية إلى العالم اجمع.
"خدمة الكهنة" واجبات الكاهن ومهامه بالتفصيل. وتأتي الرسالة الخلاصية التي دعاهم إليها السيد المسيح هي الأولى والاهم في رسالة الكاهن. حيث عليه أن يحمل بشارة الإنجيل التي تساعد على إيقاظ الإيمان في قلوب المؤمنين دائماً. والتي يحق للمؤمنين أن يسمعوها من فم الكاهن. وهنا أود الإشارة أن ليس فقد قراءة الكتاب المقدس هي التي يحتاجها المؤمنين من الكاهن بل أنهم ينتظرون الأكثر من ذلك، أن يعيشها بأمانة-أمانة المسيح- لكي يستطيع من خلال واقعه أن يُساعدهم على تخطى صعوبات واقعهم أيضاً. فجميعنا يعلم أن كلمات ووصايا يسوع المسيح هي كاملة. تدعو إلى الكمال والقداسة وهذا يصعب تحقيقه في عالم اليوم. لذلك فالمؤمن يحتاج إلى من يسانده ويدعوه إلى العيش في هذا الإيمان، ولا يوجد اقرب من الكهنة حاملوا رسالة المسيح كي يكونوا سند للناس.... "وبالأسرار المقدسة يحمل الكاهن المسيح إلى الجميع، فبالعماد يُدخِلون الناس في شعب الله، وبسرّ التوبة يُصالحون الخطأة مع الله ومع الكنيسة، وبمسحة المرضى يخففون أوجاع السقماء، وخاصة يقدمون في القداس ذبيحة المسيح بصورة سرية. وفي تتميم كل من هذه الأسرار، يمارسون مهمة سلطة المسيح الرأس التي تعود لهم. كما على الكهنة أن يتعاطوا مع الجميع في بنيان الكنيسة بإنسانيةٍ متناهية، أسوةً بالرب، وأن يتعاملوا معهم لا بحسب الميول البشرية".
وتأتي فيما بعد مهام أخرى أهمها علاقة الكهنة بغيرهم. وعلى رأسها علاقة الكاهن بالاسقف. فكتب في المجمع "فعلى الأساقفة، من أجل الوحدة في الكهنوت عينه وفي الخدمة، أن يعتبروا الكهنة أخوة لهم وأصدقاء وأن يعتنوا، قدر المستطاع، بخيرهم المادّي، ولا سيما الروحي: إذ عليهم يقع قبل كل شيء، عبء قداسة كهنتهم الخطير. فليهتموا إذاً الاهتمام البالغ بتدريب كهنتهم المستمرّ. وليصغوا اليهم بطيبة خاطر، ويستشيروهم أيضاً، وليتكلموا معهم عن حاجات الرسالة وخير الأبرشية".
وكذلك علاقة الكهنة بعضهم ببعض أن تكون شاملة المودة والمحبة، تجمعهم رسالة واحدة باسم يسوع المسيح. وفي الإطار الأخير تأتي علاقة الكهنة بالعلمانيين والتي هي بالأساس خدمتهم ورسالتهم التي قرروا يوماً أن يحملهوها إليهم. ويذكر المجمع "على الكهنة أن يترأسوا، لا كمن يفتشون عمّا لهم ولكن عمّا هو للمسيح، وليشاركوا العلمانيين المؤمنين أعمالهم، وليكونوا بينهم حسبما كان المعلم الذي لم يأت بين البشر "ليُخدَم بل ليَخدِم وليبذل نفسه فداءً عن كثيرين" (متى 20/ 28). ليعرفوا بإخلاص كرامة العلمانيين وكرامتهم الشخصية التي يشترك فيها العلمانيون في رسالة الكنيسة، ويعملوا على إنمائها. وليحترموا بدّقة الحرّية الصحيحة التي هي من حق الجميع في المدينة الأرضية. ليسمعوا العلمانيين عن رضى، وليعتبروا بصورة أخوية امنيّاتهم، وليبقوا اختبارهم واختصاصهم في شتّى مجالات العمل البشري".
أنتم أيها الآباء. فالمسئولية مضاعفة لأنكم تحملون مسئولية أنفسكم كمسيحيين ومسئولية شعب الله الذي اخترتم أن تكونوا له خداماً، قررتم بإرادتكم أن تكملوا مسيرة الخلاص، تلك الرسالة التي قلتم لها نعم.فا لا تكونوا عثرة للشعب
"